الصلاة

شارك هذا المقال

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter
Share on pinterest

ذات مساء في ليلة من ليالي الربيع، على ضفة واد خصيب تأملت مشهد الخضرة أمامي الذي يمتد لا يكاد ينقطع حتى أنك تشعر بأن مستوى الرؤية لديك يعلو شيئا فشيئا كلما حدقت في ذلك المنظر الذي يدخل البهجة إلى نفسك، والأنس إلى فؤادك ويزيد من تدفق الهواء العليل إلى رئتيك فتشعر بالراحة والطمأنينة.

عشت تلك اللحظات مستمتعا بسكون المكان إلا من أصوات هنا وهناك ما بين زقزقة عصفور، وغثاء حيوان، وأصوات بشرية، وبعضا من محركات تهدر من بعيد، كان السكون طاغ إلى درجة لم أشعر فيها بالوقت يمضي وكأن الزمن قد توقف لما حظيت به من نشوة وسعادة قلما يشعر بها المرء إلا في حال كهذا أو أحسن منه.

فمتى يشعر لإنسان بمثل هذه المشاعر.. ومتى يدرك مثل هذه الأحاسيس.. ومتى ينعم بمثل تلك اللحظات؟

هناك فرصا تتكرر علينا يوميا بل وعدة مرات في اليوم يمكننا أن نشعر بمثل تلك الأحوال وأحسن منها، بل قد يشعر الإنسان بأنه يعيش في عالم آخر؛ عالم من السعادة والانشراح.. عالم من الغبطة والحبور، عبر عنه أحدهم فأجاد قائلا ” لو أن أهل الجنة فيما نحن عليه من سعادة إنهم لفي عيش طيب”.

من هذه الأوقات وأحسنها حينما يقف الإنسان في صلاته بين يدي ربه ومولاه يناجيه تارة ويدعوه أخرى، يشكره مرة ويرجوه أخرى، إنها قرة العين وراحة النفس وطمأنينة القلب حين يقف متبتلا خاشعا ساجدا وقائما تاليا وذاكرا، ليس له شغل حينها إلى إلا رضا ربه وليس له قصد إلا تدبر آياته.

ما أجملها من شعيرة.. وما أجلها من عبادة.. وما أحسنها من طاعة..

ما أجملها من شعيرة حينما تؤدى على الوجه الذي تكون فيه زادا يتزود منه الإنسان لدنياه..

وما أجلها من عبادة حين تصل الإنسان بربه ومولاه..  

وما أحسنها من طاعة تبث فينا الراحة والطمأنينة والسعادة..

ولهذا قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: “أرحنا بها يا بلال” نعم هي الراحة إذا اكتنفتنا الهموم وهي الطمأنينة إذا احلولكت الدروب وهي السعادة إذا خالطنا الحزن والغموم.

كم نخسر حينما لا نقدر هذه الشعيرة قدرها، وكم نقلق حينما لا نعطيها حقها، وكم نبأس حينما لا نعيش خشوعها وطمانينتها على الوجه الأمثل اقتداءً بحبيبنا صلى الله عليه وسلم ومتابعة لهديه القويم.

وقع في يدي قبل أشهر كتاب جميل بعنوان “قوة الآن” للمؤلف إكهارت تول يتحدث عن القلق والهموم التي تصيبنا حينما لا نعيش اللحظة الراهنة، وعن البؤس والشقاء حينما يكون جل تفكيرنا في ماض مضى وانقضى أو مستقبل لم ندر ما الله فاعل بنا فيه، فازددت حينها يقينا بالعظمة التي جعلت في هذه الشعيرة والروعة التي تجلت في تعاليم ديننا وشريعتنا، وهل جل عباداتنا إلا عيش اللحظة!!!.

فالصلاة حتى نظفر برونقها وراحتها وثوابها وسعادتها لابد من أن نعيشها بكل أحاسيسنا ومشاعرنا وتفكيرنا ، فعلى قدر ما نعطيها في لحظة أدائها من خشوع وتدبر وطمأنينة وتفكر، على قدر ما تعطينا من سعادة وراحة في دنيانا وثواب ورفعة في أخرانا.

إن لنا أسوة في أحد الصالحين، ولنا عبرة في آخر..

لنا أسوة في ذلك الصحابي الجليل الذي كان يحرس ثغرا من ثغور المسلمين وحينما حل الظلام أغراه سكون الليل ببضع ركعات يناجي فيها ربه ويأنس بالقرب من مولاه، فيما رفيقه في الحراسة نائم ينتظر نوبته، فرصده أحد الكفار وأخذ يرميه بالسهام الواحد تلو الآخر وصاحبنا في عالم آخر من الأنس والراحة والطمأنينة، ولما خشي أن يضيع ثغرا من ثغور المسلمين فيجلب ضررا عليهم، حينها قطع صلاته وأيقظ صاحبه.. بعدما سالت الدماء من جسده.. فعاتبه صاحبه على عدم إيقاظه قبل أن تنهش جسده السهام، فقال: والله لقد كنت أتلو سورة، لذهاب نفسي وخروج روحي أهون على من قطعها.. يا ألله.. إلى أي درجة وصل أولئك في حرصهم على صلاتهم وشغفهم بأدائها وتعلقهم بروعتها وجمالها.

وأما العبرة فمع ذلك الصحابي الذي رآه الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي وحينما انتهى من صلاته قال له: “ارجع فصل فإنك لم تصل ” ثلاث مرات وهو يعود فيصلي والرسول صلى الله عليه وسلم يقول له نفس القول وفي الثالثة قال الصحابي: والله يا رسول الله لا أحسن غيرها، فعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يؤدي الصلاة بالطريقة الصحيحة، فليست الصلاة مجرد حركات بلا روح كما يفهمها البعض وليست الصلاة حروف وكلمات بلا معنى “أقصد بدون خشوع وتدبر” كما يؤديها آخرون.

فيا من أقظ مضجعه السهاد.. ويا من ضاق صدره بالهموم والغموم.. عليك بالصلاة، أحسن ركوعها وسجودها، اخشع في حركاتها وسكناتها، تدبر في آيات قرآنها وذكرها ودعائها، استشعر عظمة من تناجيه ذي الجلال والإكرام والرحمة والإنعام، وأبشر براحة النفس وطمأنينة القلب وسعادة الدنيا وفلاح الآخرة.   

شارك هذا المقال

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter
Share on pinterest

اكتشف المزيد

الصلاة
أفكار وتأملات

ذات مساء في ليلة من ليالي الربيع، على ضفة واد خصيب تأملت مشهد الخضرة أمامي الذي يمتد لا يكاد ينقطع حتى أنك تشعر بأن مستوى